معاناة أهل غزة على الحطب وأزمة الغاز
الغاز الغائب.. حين يتحول الطهي في غزة إلى معركة يومية
- الغاز المنزلي عاد بكميات شحيحة، لا تكفي لإطفاء "نار الحاجة"
في غزة، لا تبدأ المعاناة عند انقطاع الكهرباء، ولا تنتهي عند شح الماء؛ فهناك تفاصيل أصغر، لكنها أكثر قسوة، تتسلل إلى البيوت بصمت، وترهق العائلات دون ضجيج، أسطوانة الغاز، التي كانت يوما جزءا بديهيا من المطبخ، تحولت إلى "حلم مؤجل"، وإلى سؤال يومي يتكرر على ألسنة الأمهات: كيف سنطهو اليوم؟
منذ توقف الحرب، ظن كثيرون أن بعض الأعباء ستخف، وأن مواقد البيوت ستستعيد نارها الهادئة، لكن الواقع خذلهم؛ فالغاز المنزلي عاد بكميات شحيحة، لا تكفي لإطفاء "نار الحاجة"، ولا تنهيطوابير الانتظار، فبقيت المعاناة قائمة، تتنقل من باب إلى باب، وتفرض بدائل قاسية على أسر أنهكها الفقر والحصار.
"فجوة الأرقام".. 23 شاحنة مقابل 100
وتكشف الأرقام حجم الفجوة الهائلة؛ فوفق توضيحات الهيئة العامة للبترول في غزة، لا يدخل إلى القطاع سوى ما بين 15 و23 شاحنة غاز أسبوعيا في أفضل الحالات، في حين تقدر الحاجة الفعلية بنحو 100 شاحنة أسبوعيا.
وتحمل كل شاحنة قرابة 20 ألف كيلوغرام من الغاز، وهو ما يوضح حجم العجز الكبير بين المتوفر والاحتياج الحقيقي، ويفسر استمرار مشاهد الانتظار الطويل، حيث تمضي أسابيع، وأحيانا أشهر، دون أن تتمكن الأسر من الحصول على أسطوانة واحدة.
آلية التوزيع.. "المواقد" قبل "المخابز"
وتؤكد الهيئة أن 93% من كميات الغاز الواردة توزع مباشرة على المواطنين عبر كشوفات رسمية معتمدة، فيما لا تتجاوز حصة المحطات والموزعين 6% فقط، بعد تقليصها مؤخرا لصالح المستهلكين. ويعمل في قطاع غزة نحو 14 محطة تعبئة غاز، أربع منها في شمال القطاع (إحداها متوقفة مؤقتا)، وعشر في جنوبه.
أما المطاعم والمخابز، فلا تحصل على أي كميات مخصصة، وتجبر على الشراء من السوق المحلية، مع تخفيض الحد الأعلى المسموح به من 100 أسطوانة إلى 30 أسطوانة فقط، في ظل شح الإمدادات.
"أعباء بدائية".. عودة زمن الحطب
في الأزقة الضيقة، وعلى أسطح المنازل، عادت مشاهد الحطب المشتعل، والدخان المتصاعد من مواقد بدائية؛ مشاهد تعيد الغزيين سنوات إلى الوراء، فتحي مناع، من دير البلح، أب لأسرة كبيرة، يقول إن الغاز لم يعد مادة استهلاكية، بل "أزمة مفتوحة"، مضيفا: "سجلنا عبر الرابط الرسمي، وانتظرنا كثيرا، لكن الدور لا يأتي، كل يوم نبحث عن حل جديد".
ويشير "مناع" إلى أن سياسة إدخال الغاز بكميات محدودة جعلت الأزمة مزمنة، ودفعته، كغيره، إلى استخدام الحطب للطهي، أو شرائه بأسعار مرتفعة تصل إلى خمسة شواكل للكيلوغرام الواحد.
"السوق السوداء".. خنجر في خاصرة الأرزاق
وفي ظل العجز، وجدت السوق السوداء طريقها إلى البيوت والمحال، حيث قفز سعر كيلو الغاز إلى نحو 80 شيكلا، وهو رقم يفوق القدرة الشرائية لمعظم السكان.
أبو نضال، صاحب محل "شاورما" في وسط القطاع، يصف الوضع بأنه "تهديد مباشر للأرزاق"، قائلا: "لا كميات مخصصة لنا، نشتري من السوق السوداء، والتكاليف ترتفع، بينما لا نستطيع رفع الأسعار على الناس". ويلفت إلى أن سعر "السندوتش" بقي عند 15 شيكلا، وكان من الممكن أن ينخفض إلى 12 شيكلا لو توفر الغاز بسعره الطبيعي.



